محمود أبو رية

291

أضواء على السنة المحمدية

كحديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم وحديث سجود الشمس تحت العرش ما يلي : إن أمثال هذه المشكلات في الروايات لا يهتدي إلى تحقيق الحق فيها ، إلا الذي يعطي لعقله حرية الاستقلال فيما قاله أصناف العلماء ، وقال : إن علماء الأصول الاعتقادية والفقهية أعلم من المحدثين بنقد المتون وما يوافق المعقول وأصول العقائد منها وما لا يوافقها . وقد اتفق الفريقان على أنه : ليس كل ما صح سنده من الأحاديث المرفوعة يصح متنه ، لجواز أن يكون في بعض الرواة من أخطأ في الرواية عمدا أو سهوا ، وما كل ما لم يصح سنده يكون متنه باطلا ، بل قالوا : إن الموضوع من حيث الرواية قد يكون صحيحا في الواقع ، وإن الصحيح السند قد يكون موضوعا في الواقع - وإنما علينا أن نأخذ بالظواهر مع مراعاة القواعد ، فما صح سنده قبلنا روايته وحكمنا قواعد الاعتقاد ودلائل العقل في متنه إن كان مشكلا ، وما كان غير صحيح السند لا يجوز لنا أن نسميه حديثا نبويا وإن كان معناه صحيحا ( 1 ) . ونضيف إلى ما قاله السيد رشيد أن مما اتفقوا عليه كذلك : أن صحة الإسناد أو حسنه لا تقتضي صحة الحديث أو حسنه . وقال الحاكم ( 2 ) : كم من حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت وهو معلول واه ، فالصحيح لا يعرف برواته فقط وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع . وإن الدارقطني وغيره من أئمة النقد ، لم يتعرضوا لاستيفاء النقد فيما يتعلق بالمتن كما تعرضوا لذلك في الإسناد - وذلك لأن النقد المتعلق بالإسناد دقيق غامض لا يدركه إلا أفراد من أئمة الحديث المعروفين بمعرفة علله ، بخلاف النقد المتعلق ( بالمتن ) فإنه يدركه كثير من العلماء الأعلام المشتغلين بالعلوم الشرعية ، والباحثين

--> ( 1 ) ص 101 و 102 المنار والأزهر . ( 2 ) ذكر الحاكم ذلك وهو يبين النوع التاسع عشر من علوم الحديث ، من كتابه " معرفة علوم الحديث " ، وقد قال في هذا البيان - إن هذا النوع من هذه العلوم غير الجرح والتعديل .